Seunghoon Choi

كسب الثقة في السياسة: أوفِ بالوعود بدلا من الكلام الفارغ

السياسة تحرّك المشاعر والانتماء قبل المنطق. من لا يجيد الكلام الفارغ عليه أن يكسب الثقة بوعود صغيرة يفي بها فعلا.

المحتويات

ميكروفون نحاسي لامع فوق منصة في قاعة فعالية معتمة

يجب على الأشخاص الذين لا يجيدون استخدام الكلمات الفارغة أن يكسبوا الثقة من خلال تقديم وعود صغيرة والوفاء بها فعليًا.

حين أكذب يظهر ذلك على وجهي كله. المجاملة التي لا أشعر بها، والجملة الدبلوماسية الفارغة، لا تخرج من فمي بسهولة. وإذا حاولت أن أقولها بالقوة، أتعب أنا أولاً، فينهار وجهي قبل أن أكمل. لكن السياسة عمل يكسب قلوب الناس. كثيراً ما يحتاج المرء إلى قول ما يحبه كثيرون، وما يريدون سماعه، وما يطمئنهم في اللحظة. فهل يعني هذا أن شخصاً مثلي، لا يجيد الكلام الفارغ، لا يصلح للسياسة أصلاً؟

فكرت في الأمر طويلاً على هذا النحو. لكن كلما تعمقت كان الجواب مختلفاً قليلاً. من لا يجيد الكلام الفارغ يستطيع أيضاً أن يكسب قلوب الناس. لكن عليه أن ينتقل من أسلوب الخداع بالكلام إلى أسلوب الوعد والوفاء.

يسأل الناس أولا: هل هذا الشخص في جهتي؟

في السياسة لا يبدأ الناس بقراءة جدول السياسات. يسألون أولاً: هل هذا الشخص من جهتنا؟ هل يعرف ألمنا؟ هل يقول الخوف الذي نعجز عن قوله؟

هذا لا يعني أن السياسات غير مهمة. لكن السياسات تُفهم عادة متأخرة. أما المشاعر فتستجيب أولاً. إذا شعر أحد أن شخصاً في صفه، حاول بعد ذلك أن يفهم كلامه. وعلى العكس، إذا شعر أنه ليس من صفه، سمع حتى السياسة الجيدة بحذر ودفاع. لذلك لا تنشأ شعبية السياسي من المنطق وحده. تبدأ من المشاعر والهوية. يتحرك الناس أولاً مع سؤال “من يعرفني” قبل سؤال “من الأدق”.

للكلام الذي يصنع الشعبية بنية

للكلام الذي يكسب القلوب بنية تتكرر. أولاً يعترف بالألم: “أعرف أنك تتعب.” ثم يحدد السبب: “لهذا الألم سبب.” وأخيراً يعطي اتجاهاً: “نستطيع أن نغيّر الأمر هكذا.”

السياسي السيئ يصنع هنا عدواً سهلاً. يحمّل المشكلة المعقدة ذنب شخص ما، لأن الناس يستجيبون للعدو الواضح أسرع من الشرح المعقد. حين يكون العدو واضحاً يتجمع الغضب، وحين يتجمع الغضب تنشأ الشعبية بسرعة.

لكن السياسة الجيدة أيضاً عليها أن تكسب قلوب الناس. الفرق في من تجعله عدواً. إذا جعلت جماعة من الناس عدواً صار الأمر انقساماً وتفريقاً. وإذا جعلت الفساد والهدر واللافعالية وانعدام المسؤولية هي العدو، صارت سياسة يمكن الإصلاح فيها معاً.

السياسة في النهاية عمل يوجّه اتجاه المشاعر. يمكن توجيه الغضب نحو الناس، ويمكن تحويله نحو حل المشكلة.

السياسة الجيدة لا تُعرَف جيداً إذا تُركت وشأنها

السياسة الجيدة معقدة في الغالب. ويأتي أثرها متأخراً. التعليم والصحة والبنية التحتية والعلم والتقنية وإصلاح الإدارة لا تعطي نتيجة في يوم واحد. أما الخوف والغضب فيتحركان فوراً.

لذلك تكون السياسة الجيدة مظلومة. كلما كانت السياسة نافعة فعلاً طال شرحها، وتأخر شعور الناس بها، وعلا صوت من يعارضها. الأغلبية التي تستفيد هادئة، والأقلية التي تتضرر تقاوم بقوة. لذلك لا يكفي أن يصنع السياسي الجيد سياسة جيدة. عليه أن يحوّل تلك السياسة إلى كلام يشعر به الناس. يربط الرقم بقصة إنسان واحد، ويُظهر منفعة المستقبل البعيد في صورة تغيّر صغير يُحَسّ الآن. عبارة انخفاض البطالة 2% أضعف من يوم واحد لشخص استعاد عمله. الناس يستجيبون للحياة الملموسة قبل الإحصاء.

كسب الثقة في السياسة: أوفِ بالوعود بدلا من الكلام الفارغ

يتم تصميم السياسات بناءً على الأرقام، لكن المواطنين يحكمون على السياسة من خلال كيفية تغيير يومهم.

القدرة على كسب الشعبية غير القدرة على إنجاز العمل

القدرة على جمع الأصوات غير القدرة على إنجاز العمل. في الانتخابات يجب أن تقول الأمل لعدد كبير من الناس. في الحكم يجب أن تحدد الأولويات، وأن تقول إن ما لا يمكن لا يمكن. في الانتخابات قد يفيدك أن تكثر الوعود. أما الإدارة فلا تسير إلا حين تقلل الوعود وتنفذ. الانتخابات تستخدم لغة المشاعر، والإدارة تستخدم لغة المسؤولية. لذلك ليس من يجيد الكلام يجيد العمل بالضرورة. وعلى العكس، ليس من يجيد العمل يجيد جمع الأصوات بالضرورة. هما قدرتان مختلفتان.

من يريد العمل في السياسة عليه أن يعترف بهذا الفرق. عليه أن يعرف هل هو شخص يكسب قلوب الناس، أم شخص يحرّك العمل فعلاً. وإذا صعب عليه أن يجيد الاثنين وحده، فعليه أن يضع بجانبه من يكمّل الجانب الناقص.

من لا يجيد الكلام الفارغ يصعب عليه جمع التأييد بسرعة بالكلام

شخص مثلي في وضع أضعف في السياسة التي تدفع بالكلام بسرعة. يصعب عليه أن يمدح الخصم في اللحظة، وأن ينثر الكلام الذي يطيب سماعه، وأن يرمي وعداً غامضاً بثقة. يظهر الأمر على وجهه.

لكن هذا الضعف يصير أصلاً في أسلوب آخر. حين يستطيع الجميع قول الكلام الفارغ تنخفض قيمة الكلام. كل أحد يستطيع أن يقول: “سأعمل من أجل الناس.” لذلك لا يصدق الناس ذلك الكلام كما هو.

أما وعد من لا يجيد الكذب فمختلف قليلاً. هذا الشخص واضح فيما يستطيع قوله وما لا يستطيع. لا يقول بسهولة إن ما لا يمكن ممكن. لذلك يبدو مع طول النظر شخصاً جديراً بالثقة.

من لا يجيد الكلام الفارغ ليس من يفوز بكثرة الكلام. هو من يفوز بأن يقول قليلاً، ويحافظ على ما قاله.

الصدق ليس نبرة، بل سجل متكرر

صورة الصدق لا تنشأ من قول “أنا صادق”. تنشأ من سجل متكرر. سجلٌ تعد فيه بما تستطيع فقط، وتفي بما وعدت، وتعترف حين تخطئ، ثم تصلح. إن كنت لا تجيد المديح الفارغ، فقدّم ملاحظة دقيقة. بدلاً من أنت رائع، قل كان مهماً أنك تمسكت بذلك البند حتى نهاية التفاوض. لا تزيّن كلاماً لا تشعر به، بل قل ما رأيته فعلاً بدقة. قل لا أعرف لما لا تعرفه، وقل إنك لن تجيب الآن عما لا تستطيع الإجابة عنه الآن. ليس كل صمت ضعفاً. أحياناً يكون الصمت المحفوظ أفضل من كلام مملوء بالكذب.

من لا يجيد الكلام الفارغ لا يحتاج إلى تقليد النبرة اللامعة. عليه أن يجعل موثوقية كلامه أصلاً له.

عِد أقل ونفّذ فعلا

السياسة في النهاية عمل يكسب قلوب الناس. لكن طريقة كسب القلب ليست واحدة. هناك من يجمع الغضب فيصعد بسرعة. وهناك من يفي بالوعد فيبني الثقة ببطء.

شخص مثلي يخسر في أسلوب الخداع السريع بالكلام. لكنه يستطيع المحاولة في أسلوب بناء الثقة البطيء. عليه أن يذهب إلى حيث يتراكم السجل أكثر من الكلام، وتتراكم النتائج أكثر من الصورة، وتصير الوعود المحفوظة أهم من الكلام الفارغ.

لا يمكن تجنب المشاعر في السياسة. الناس يتحركون بالمشاعر. لكن لا حاجة إلى استخدامها للخداع. يكفي أن تحوّل الإنجاز الحقيقي إلى لغة يشعر بها الناس.

لذلك إن كنت لا تجيد الكلام الفارغ، فلا تحاول أن تتعلمه. بدلاً من ذلك عِد قليلاً، ونفّذ بثبات، واجعل الناس يشعرون بما نفّذته. يمكن كسب قلوب الناس بالكلام أيضاً. لكن القلب الذي يبقى طويلاً يُكسب في النهاية بالسجل.